الشيخ محمد الصادقي الطهراني
346
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
ردّ الأمانات « إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولًا » « 1 » . ذلك « وان يريدوا خيانتك فقد خانوا اللَّه من قبل » « 2 » هي الأخرى الدالة على الأمانتين الربانية والرسالية . ذلك ، وجزم « تخونوا » قد ينحِّي احتمال حاليتها فإن قضيتها « وتخونون » فقد تعني الواو أصل العطف وعامل الجزم محذوف معروف من « لا تخونوا اللَّه » حيث تعني « ولا تخونوا أماناتكم » كضابطة ناهية عن خيانة الأمانات كلها ، وهي - قضيةَ الإضافة - تضم الأمانات الربانية عندكم - كأصل - وأمانات بعضكم عند بعض ، وقد يعني الجمع من العاطفة - كأصل - والحالية كفرع عليه ، والجزم هو قضية الأصل . ولقد حصلت خيانات من المنافقين « 3 » والبعض من بسطاء المؤمنين بحق اللَّه والرسول ، فعفى اللَّه عمن استعفى كأبي لبابة « 4 » ولم يكن ليعفوا عن المنافق قضيةَ عناده ، فما خطاب
--> ( 1 ) . 33 : 72 ( 2 ) . 8 : 71 ( 3 ) . الدر المنثور 3 : 175 - أخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن جابر بن عبد اللَّه أن أبا سفيان خرج منمكة فأتى جبريل إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال : إن أبا سفيان بمكان كذا وكذا فأخرجوا إليه واكتموا فكتب رجل من المنافقين إلى أبي سفيان أن محمداً صلى الله عليه وآله يريدكم فخذوا حذركم فأنزل اللَّه « لا تخونوا اللَّه والرسول » ( 4 ) . المصدر أخرج ابن جرير عن الزهري في الآية قال : نزلت في أبي لبابة بعثه رسول اللَّه صلى الله عليه وآله فأشار إلىحلقه أنه الذبح فقال أبو لبابة لا واللَّه لا أذوق طعاماً ولا شراباً حتى أموت أو يتوب علي فمكث سبعة أيام لا يذوق طعاماً ولا شراباً حتى خر مغشياً عليه ثم تاب اللَّه عليه فقيل له يا أبا لبابة قد تيب عليك ، قال : لا واللَّه لا أحل نفسي حتى يكون رسول اللَّه صلى الله عليه وآله هو الذي يحلني فجاءه فحلّه بيده . وفيه أخرج عبد بن حميد عن الكلبي أن رسول اللَّه صلى الله عليه وآله بعث أبا لبابة إلى قريظة وكان حليفاً لهم فأومأ بيده أي الذبح فأنزل اللَّه هذه الآية فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله لامرأة أبي لبابة : أيصلي ويصوم ويغتسل من الجنابة ؟ فقالت : إنه ليصلي ويصوم ويغتسل من الجنابة فبعث إليه فأتاه فقال يا رسول اللَّه صلى الله عليه وآله واللَّه اني لأصلي وأصوم واغتسل من الجنابة وإنما نهت إلى النساء والصبيان فوقعت لهم ما زالت في قلبي حتى عرفت أني خنت اللَّه ورسوله . وفيه أخرج ابن مردويه عن عكرمة قال لما كان شأن بني قريظة بعث إليهم النبي صلى الله عليه وآله علياً رضي اللَّه عنه فيمن كان عنده من الناس فلما انتهى إليهم وقعوا في رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وجاء جبريل عليه السلام إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وآله على فرس أبلق فقالت عائشة فكأني أنظر إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وآله مسح الغبار عن وجه جبريل عليه السلام فقلت : هذا دحية يا رسول اللَّه صلى الله عليه وآله ؟ قال : هذا جبريل ، فقال يا رسول اللَّه صلى الله عليه وآله ما يمنعك من بني قريظة أن تأتيهم فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله فكيف لي بحصنهم ؟ فقال جبريل عليه السلام إني أدخل فرسي هذا عليهم فركب رسول اللَّه صلى الله عليه وآله فرساً معروراً فلما رآه علي رضي الله عنه يا رسول اللَّه صلى الله عليه وآله لا عليك أن لا تأتيهم فإنهم يشتمونك ، فقال : كلّا إنها ستكون تحية فأتاهم النبي صلى الله عليه وآله فقال : يا إخوة القردة والخنازير ، فقالوا : يا أبا القاسم ما كنت فحاشاً ، فقالوا : لا تنزل على حكم محمد صلى الله عليه وآله ولكننا ننزل على حكم سعد بن معاذ فنزلوا فحكم فيهم أن تقتل مقاتليهم وتسبي ذراريهم ، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله : بذلك طرقني الملك سحرأ فنزل فيهم « يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا اللَّه والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون » نزلت في أبي لبابة أشار إلى بني قريظة حين قالوا : ننزل على حكم سعد بن معاذ : لا تفعلوا أمانة الذبح وأشار بيده إلى حلقه